الغزالي
95
الرد الجميل لإلهية عيسى بصريح الإنجيل
الأمر عليها . يدل على ذلك : أن السيد إذا أمر عبده أن يفعل فعلا ، وعلم العبد أن السيد لا يريد منه فعل ما أمره به ، فإذا فعله العبد عدّ مخالفا للسيد ملوما من جهته . فإذا للمأمور سببان : أحدهما : حقيقي ؛ وهو الإرادة ، وهو السبب البعيد . والثاني : صيغة الأمر في العرف الدالة على الإرادة . فتعود حينئذ القاعدة نفسها في إحالة الحكم على السبب القريب ، فقد ثبت حينئذ بما ذكرناه ؛ أن أهل / العرف يعدّون الكلمة المأمور بها سببا ، ويحيلون الحكم عليها ، ويجعلون ما يقع بعدها مسبّبا عنها ، وإن كان له أسباب حقيقية أبعد منها ، وذلك عين ما بيناه أولا . وإنما تعلق مورد هذا الإشكال بصناعة عربيّة ، وقد أمكن ردّ ذلك إلى قواعدها ، فحينئذ يسقط الإشكال يقينا ، ويسقط خيال من ظن أن قراءة ابن عامر فيما تتمحص الفاء فيه جوابا ، عسرة الردّ إلى الأصول العربية وقواعدها ، كقوله عزّ وجلّ سبحانه : وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ « 1 » . ونظائر ذلك مما انفرد بقراءته / منصوبا ، بل القراء محجوجون من جهته ، بقوله : أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ « 2 » . ولا وجه لإجماعهم على النصب ، وجعل الفاء جوابا إلا إحالة على وجود صيغة الاستفهام فقط ، من غير نظر إلى معناها ، كما تقدم . وبهذا التقدير والإلزام لا يتّجه على ابن عامر إشكال البتّة . فليتأمل الناظر حسن هذا الإعراب والإغراب ، معظما هذه الشريعة المحمديّة المؤيدة بأفصح الأنبياء لهجة ، وأصدقهم حجة . إذا نطقت جاءت بكل غريب * وإن سكتت / جاءت بكل غريب وليعجب من طائفة تتمسك بمثل هذا النص الواضح فهمه وتأويله ! هذا آخر ما أردناه ، ووعدنا به في بيان عدم دلالة النصوص على
--> ( 1 ) سورة البقرة : 117 . وقرأ ابن عامر على نصب ( فيكون ) ، والباقون على رفعها . ( 2 ) سورة الحج : 46 .